أحمد بن محمد مسكويه الرازي

297

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

حكي عن الإسكندر « 1 » انه قد رقى « 2 » اليه عن بعض أصحابه انه يعيبه وينتقصه ، فقال له بعض أصحابه : « لو أدّبته أيها الملك بعقوبة تنهكه بها » ! فقال له : « وكيف يكون انهاكه « 3 » بعد عقوبتي إياه في ثلبي « 4 » وطلب معائبي ، لأنه حينئذ أبسط لسانا وأعذر عند الناس » . وأوتى يوما ببعض أدائه المتغلبين الخارجين عليه ، وكان قد عاث في أطرافه عيثا كثيرا فصفح عنه ، فقال له بعض جلسائه : لو كنت انا لقتلته ! فقال له الإسكندر : « فاذن لم أكن أنا أنت فلست بقاتله ! » . . . فقد ذكرنا معظم أسباب الغضب ودللنا على معالجتها وحسمها ، وهو النوع الأعظم من امراض النفس . وإذا تقدم الإنسان في حسم سببه لم يخش تمكنه منه ، وكان ما يعرض له سهل العلاج قريب الزوال ، لا مادة له تلهبه وتمده ، ولا سبب يسعره ويوقده ، وتجد الروية موضعا لإجالة النظر والفكر في فضيلة الحلم واستعمال المكافأة ان كان صوابا ، أو التغافل ان كان حزما ، والذي يتلو معالجة هذا النوع من امراض النفس معالجة الجبن الذي هو الطرف الآخر من صحتها .

--> - الصفح : هو ترك التثريب والعتاب ، وهو أبلغ من العفو ، وقد يعفو الإنسان ولا يصفح . ( 1 ) . الإسكندر - الكبير - » taergeht - rednaxelA « ( 356 - 323 ق . م ) : ملك مقدونيا ، يعتبر أحد عباقرة الحرب في كل العصور . بسط سلطانه على بلاد اليونان ، استولى على صور عام 332 ق . م ، أخضع مصر ، ومن ثم زحف على بلاد ما بين النهرين واحتلّ بابل ، وأطاح بالأمبراطورية الفارسية . وفي عام 327 ق . م تقدّم لفتح الهند . توفي في مدينة بابل بالعراق ، ودفن في مدينة الإسكندرية بمصر ، وهي واحدة من مدن كثيرة بناها يعرف أيضا ب « الإسكندر المقدوني » . ( 2 ) . رقى اليه كلاما ترقية : رفع اليه . ( 3 ) . نهكه السلطان كسمعه نهكا : بالغ في عقوبته . ( 4 ) . ثلب ، ثلبا : طرده ، اغتابه ، عابه ولامه ، سبّه . من الإهانة واللوم .